المغرب – فرنسا : زمن المعاهدة، زمن الكرامة

*الحلقة الأولى : الدم المُراق، والوعد المُخان

« الأمم التي تنسى ما تدين به للآخرين تنتهي بنسيان ما تدين به لنفسها. »

ثمة لحظات في تاريخ الأمم ينغلق فيها الزمن على ذاته. حين يجد ما وُعِد به، وخُوِّن، واقتُلع بالقوة، ثم أُعيد بناؤه بصبر متأنٍّ — يجد أخيراً صورته النهائية.
المعاهدة الفرنسية المغربية المُعدَّة للتوقيع — والتي ينبغي أن تُرافق زيارة الدولة لـجلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا في خريف عام 2026 — هي إحدى تلك اللحظات.
ليست حدثاً دبلوماسياً كسائر الأحداث.

إنها مصالحة مع التاريخ.

ولفهم ما تعنيه هذه المعاهدة حقاً، يجب أن نعود إلى ما قبل الوزارات والمستشاريات، إلى ما قبل البيانات الصحفية، وإلى ما قبل بذلات بوريطة وباروت المُعتمة وهم يتبادلون عباراتهم المُهذَّبة في الرباط. يجب أن نعود إلى المكان الذي تبدأ فيه كل الحقائق: في الدم، في اللحم، في ذاكرة العائلات.
عائلتي. عائلتكم. عائلة هذا الشعب الذي لم ينتظر يوماً إذناً لكي يكون.أولاً : قبل الجرح — حين مدّ السلطان يده إلى بلاط فرنسا

لنبدأ بتفنيد أسطورة مريحة.
الذين يختزلون العلاقة الفرنسية المغربية في مآثمها الاستعمارية وحدها يجهلون — طوعاً أو كسلاً — عمق الرابطة الأصيلة. قبل أن تتحوّل فرنسا إلى « قوة حامية » — وهو مصطلح رقيق أنيق يكاد يكون شاعرياً لوصف استيلاء على السيادة — كانت المغرب وفرنسا تتبادلان العلاقات بلاطاً ببلاط، وعرشاً بعرش، ندّاً بندّ.
كان سلاطين مغاربة قد طلبوا في حينه تحالفات زواجية من التاج الفرنسي. تخيّلوا المشهد: سفير شريف، بعمامته وبرنوسه، يضع في صالونات فرساي الذهبية طلب خطبة ملكية. ابنة ملك فرنسا، موعودةً لبلاط مراكش. هل رفض باريس؟ هل قَبِل؟ ما هو ثابت أنه أصغى. لأن فرساي لا يُصغي إلا لمن يحترم.
وأكثر من ذلك: بعض هؤلاء الوزراء الأوائل وسفراء السلطان، المُوفَدين إلى باريس لنسج خيوط هذه الدبلوماسية الناشئة، تزوّجوا من نساء أرسلتهن النبالة الفرنسية — فختموا بالدم واللحم قرباً لا تستطيع خريطة جغرافية أن تفسّره.
ما كان يُسمّى آنذاك بالانجذاب المتبادل كان في حقيقته أعمق من ذلك بكثير: اعتراف متبادل بالمرتبة، والحضارة، والعظمة.

لم يكن المغرب يوماً بلداً اكتشفته فرنسا.

بل هو البلد الذي اختارت فرنسا، لفترة من الزمن، أن تنساه.

ثانياً : تضامن الميادين — والدَّين الذي لم تسدده باريس

ثم جاءت الحرب. الحربان معاً.

وفي تلك الساعات التي كانت فيها أوروبا تنهار تحت وطأة تناقضاتها، حين كانت فرنسا تُضيّع روحها في دخان فردان ثم في عار فيشي، كان المغرب هو من لبّى النداء.
مئات الآلاف من الجنود المغاربة — الـگوميون الأشهر، والرماة، والسباهية — بذلوا أرواحهم في أراضٍ لم يعرفوها من قبل، من أجل جمهورية لم تختر بعد أن تحترمهم. ماتوا في خنادق المارن، على شواطئ بروفانس، في ثلوج إيطاليا. حرّروا روما عام 1944 حين عجزت الجيوش النظامية. قطعوا جبال الأبنين سيراً على الأقدام، عبر ممرات لم يؤمن أحد باختراقها.
اسمحوا لي هنا بسرٍّ أشرت إليه في هذه الأعمدة من قبل — وأشعر أنني ملزم بقوله مجدداً، لأن بعض الحقائق تستحق أن تُكرَّر حتى تنغرس في الذاكرة الجماعية.

والدي وابن عمّي خاضا تلك الحرب.

إلى جانب الفرنسيين. في أوروبا. في تلك الحرب الشرفاء التي اختارها المغرب لا إكراهاً، بل وفاءً لقيمة لم يستوعبها بعد بعضهم على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط: الوفاء بالعهد.

كانا شابَّين. كانا مغربيَّين. وكانا يحملان في حقائبهما — دون أن يدريا — ثقل تاريخ عائلي لطالما سحقته وحشية الاستعمار الفرنسي. لأنه قبل أن يحملا السلاح من أجل فرنسا، كانت فرنسا قد رفعت سلاحها ضد عائلتي.

ما قد يُسمّى بلطف « مجاوزات الحماية » كان في حالة عائلتي يحمل وجهاً محدداً: إبادة عائلية، عنف دولة مُمنهج ضد رجال ونساء لم يكن ذنبهم سوى رفض الانكسار.

لا أستخدم هذه الكلمة باستهتار. أستخدمها لأنها الكلمة الصحيحة.

وهنا المفارقة التي ينبغي أن تُوقف كل قارئ عنده ذرّة من الضمير التاريخي: والدي وابن عمّي، الناجيان من تلك العنف الفرنسي، اختارا رغم كل ذلك الدفاع عن فرنسا في أوروبا. ليس من سذاجة. وليس من نسيان. بل لأن المغرب في جوهره الأعمق علّم أبناءه دائماً أن يرفعوا كرامتهم فوق جراحهم.

فهل يمكن قول الشيء ذاته عن كل المتحاربين في تلك الحرب؟

أطرح السؤال. لا أفرض الجواب. لكنني أطرحه.

ثالثاً : لالة عبلة — حين أصلحت الرعاية الملكية ما أعجزت السياسة عن إصلاحه

لا تتوقف القصة هنا.

ما يلمس أعماقي — وأشرت إليه في كتاباتي السابقة — هو أن ما أنصفت به الملكية المغربية عائلتي لم يأتِ من وزارة. لم يأتِ من مرسوم، أو لجنة، أو استمارة إدارية من ثلاث نسخ.

جاء من لالة عبلة.

زوجة جلالة الملك محمد الخامس — رحمه الله — ووالدة جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، تلك المرأة التي جمعت بين الرقة والسلطة الهادئة، كانت أداة مصالحة لم تستطع السياسة بلوغها. في ذلك الإيماء الملكي — المتواضع، الإنساني، والأبلغ أثراً من أي معاهدة — أثبتت الملكية المغربية مرة أخرى ما يجعلها فريدة في العالم.

إنها لا تحكم بالقوانين وحدها. إنها تُنصف بالإنسان.

وحين أقرأ اليوم البيانات الدبلوماسية عن المعاهدة الفرنسية المغربية المرتقبة، وحين أسمع حديثاً عن « شراكة استثنائية » و« إطار متجدد »، لا أملك إلا التفكير في لالة عبلة. في والدي. في ابن عمّي.

احتاجت فرنسا سبعين عاماً لإصلاح ما أصلحته الملكية المغربية بإيماءة واحدة.

هل هذا نقد؟ لنسمِّه ملاحظة زمنية.

رابعاً : وعد ديغول — وما يحدث حين يرتكب رجل عظيم خيانة صغيرة

جلالة الملك محمد الخامس — رحمه الله — جسّد في تلك الساعات الحربية تضامناً بلا شروط. وفي أروقة أنفا، وفي المخاطبات مع الحلفاء، وفي التعهدات غير الرسمية التي تربط رجال الشرف قبل أن يمسك الدبلوماسيون بأقلامهم، كان وعدٌ قد أُعطي.

حرية المغرب. مقابل دمه المُراق. الاستقلال، ثمناً لوفاء لا تشوبه شائبة.

ديغول — الذي يكرّمه التاريخ بحق لإنقاذه شرف فرنسا — لم يفِ بذلك الوعد تجاه المغرب.

اسمحوا لي بسؤال ليس بلاغياً: كيف لرجل بنى كل شرعيته على رفض الاستسلام أمام الظلم أن يفرض ذلك الظلم ذاته، بعد سنوات قليلة، على شعب حليف؟

عام 1953، ارتكبت فرنسا ما لا يُتصوَّر: نفت محمد الخامس. اقتُلع سلطان المغرب، أبو الأمة، من شعبه ونُفي إلى مدغشقر — وكأن الجغرافيا قادرة على القضاء على الشرعية.

خطأ في الحكم. خطأ تاريخي. خطأ جسيم.

لأن ما لم تفهمه مكاتب باريس — وأسمح لنفسي بالإشارة إليه بالتواضع الذي يُميّزني (قرّاؤي يبتسمون، وأنا أعرف ذلك) — هو أن الشعب المغربي ليس رعية. إنه فاعل. وحين يُسلب ملكه، يستردّه.

← نهاية الحلقة الأولى

في الحلقة الثانية: الشعب المغربي يُسقط السيناريوهات المرسومة في مكاتب باريس. عودة الملك. الحسن الثاني البنّاء. ولماذا محمد السادس هو السيّد الوحيد في العالم الذي يستطيع اليوم أن ينظر في عيني فرنسا — ويُملي عليها شروطه.

لا تفوّتوا الحلقة الثانية. جيرانكم سيحدّثونكم عنها قبل أن تنتهوا من القراءة.